فوزي آل سيف
12
أعلام من الأسرة النبوية
أحاديث رسول الله المادحة لهم، وهدد من يرويها بعقوبات شديدة مثل القول أنه برئت الذمة ممن يروي فضائل أبي تراب [40]، ومعنى برئت الذمة في الاصطلاح الحديث أن تسلب وثائقه الشخصية، ومعها تنتفي حقوقه على الدولة كاملة. ولم يتوقف الأمر على الأمويين بل أصبح منهجا رسميا للحاكمين، فحتى في زمان العباسيين والذين يفترض أن يكونوا أقرب رحما إلى أهل بيت النبي، وأن عليا هو أبن عمهم! إلا أن ذلك لم ينفع.. فكما يقول أبو فراس الحمداني كانت مودة سلمان له نسبا وَلمْ يَكُنْ بَينَ نُوحٍ وَابنِهِ رَحِمُ فهذا علي بن نصر الجهضمي،[41]في زمان المتوكل حدث بالحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه وآله (من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة)، فأمر المتوكل بأن يجلد ألف سوط، ولما تشفعوا فيه وأخبروه أنه لا يقول بالتشيع وليس من أتباع أهل البيت حتى تركه! وعبئ الجو بهذا الاتجاه المتطرف الرافض لفضائل آل محمد، إلى حد أن النسائي[42]وهو المحدث المشهور دفع حياته ضحية ذلك التطرف الاجتماعي! فقد ذكروا أنه ألف كتابا بعنوان (خصائص الإمام علي)، فلما صار في دمشق، قالوا له لمَ لا تحدث بفضائل معاوية؟ قال: إنه لم يصح له غير حديث لا أشبع الله له بطناً، فقاموا إليه يخبطونه في بطنه إلى أن أصيب بالفتق وبعدها توفي.[43] هذا في العصور الأولى.. وأما ما بعدها فقد اتخذ أصحاب هذا الاتجاه طريقا آخر بالإضافة للسابق وهو كتمان مناقبهم وتغطية فضائلهم، وهذا الاتجاه الجديد، ينتهي إلى اتهام كل من يروي فضائلهم بالتشيع والتشيع تهمة تخل بوثاقة المحدث أو الراوي.. هذا لو لم يفضل أهل البيت وخصوصا إمامهم عليا عليه السلام على من سبقه من الخلفاء، وأما لو فضله عليهم فهذا ليس شيعيا بل رافضي! وهو ساقط الحديث عندهم ولا ينظر في سطر مما قال..[44]فتحاشى العلماء والمحدثون الرواية في فضل أهل البيت إما بشكل نهائي أو قللوا منها لدرجة كبيرة! ونتج عن هذا بمرور الزمان أن الراوي الشيعي لا يؤخذ بخبره في مناقب وفضائل أهل بيت النبي باعتبار تشيعه فاختفى عن الأمة تلك الأحاديث، ومن جهة أخرى اخفى الرواة غير الشيعة تلك المناقب حتى لا يتهموا بالتشيع أو
--> 40 ) للتفصيل في هذا الموضوع يشار إلى الكتاب القيم للسيد محمد هاشم المدني منظومة حقوق العترة النبوية بين التطبيق والنظرية وقد نقل التالي.. يخبرنا المؤرخ المعروف المدائني في كتابه "الأحداث" قال: (كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمّة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر، يلعنون علياً ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته.. ثم قال: ولا تتركوا خبراً يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحبّ إليّ وأقرّ لعيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله.ثم كتب معاوية إلى عمّاله نسخة واحدة قال لهم فيها: انظروا من قامت عليه البيّنة أنه يحب علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفّع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به واهدموا داره). 41 ) حقوق العترة النبوية عن تاريخ بغداد13 /287، ح 7255، ترجمة نصر بن علي الجهضمي. 42 ) النسائي ؛ أحمد بن شعيب (215 هـ - 303 هـ)، أحد أئمة الحديث النبوي له كتب متعددة فيه منها السنن الكبرى المعروف المعروف بسنن النسائي، ومنها كتاب "الخصائص" في خصائص الإمام علي فضرب في دمشق وتوفي على أثر ذلك.. يعد البخاري ومسلم والترمذي من شيوخه كما يعد الطبراني والنيسابوري من تلامذته. 43 ) الذهبي شمس الدين ؛ سير أعلام النبلاء 14/ 125 44 ) نقل السيد المدني في كتابه حقوق العترة النبوية، مقالة الحافظ البربهاري (ت / 329هـ) في كتابه "شرح السنة":(قال طعمة بن عمرو وسفيان بن عيينة: من وقف عند عثمان وعلي فهو شيعي لا يعدل ولا يكلم ولا يجالس، ومن قدم علياً على عثمان فهو رافضي قد رفض أثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم).